أبي بكر الكاشاني
340
بدائع الصنائع
ترى ان العبد يسعى في قيمته والسعاية قيمة الرقبة فكانت السعاية ردا للوصية معنى والعتق بعد وقوعه وإن كان لا يحتمل النقض صورة يحتمله معنى برد السعاية التي هي قيمة الرقبة ولو أوصى لعبده بالثلث ثم قتله العبد لم تصح وصيته غير أنه يعتق ويسعى في قيمته أما بطلان الوصية فلانه وصية للقاتل وأما نفاذ العتق فلان الوصية للقاتل ليست بباطلة بل هي صحيحة ألا ترى انها تقف على إجازة الورثة في ظاهر الرواية فإذا أوصى له بثلث ماله فقد أوصى له بثلث رقبته لان رقبته من ماله فدخلت تحت الوصية بالثلث فلما مات الموصى ملك ثلث رقبته وتمليك ثلث رقبته منه يكون اعتاقا لثلثه عند الموت فيعتق ثلثه عند الموت ثم ينقض من حيث المعنى برد السعاية كما لو أعتقه نصا في مرض موتة أو أضاف العتق إلى ما بعد الموتة بالتدبير غير أن عند أبي حنيفة رضي الله عنه وقعت الوصية له بثلث الرقبة لان الاعتاق متجزئ عنده فيعتق ثلث رقبته ويسعى في ثلثيه لأنه معتق البعض ويسعى في ذلك الثلث للذي عتق ردا للوصية معنى بالسعاية لأنه لا وصية للقاتل فيرد برد السعاية وعندهما وقعت الوصية له بكل الرقبة لأنه عتق كله لان الاعتاق لا يتجزأ عندهما ومتى عتق كله يسعى في كل قيمته ردا للوصية معنى فاتفق الجواب وهو السعاية في جميع قيمته وإنما اختلف الطريق ولو أوصى للقاتل ثم أجازت الورثة الوصية بعد موت الموصى ذكر في الأصل انه يجور ولم يذكر خلافا وذكر في الزيادات ان على قول أبى يوسف لا يجوز وسكت عن قولهما فيدل على الجواز عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله لأبي يوسف ما روينا عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال لا وصية لقاتل وقال عليه الصلاة والسلام ليس لقاتل شئ من غير فصل بين حال الإجازة وعدمها ولان المانع من الجواز هو القتل والإجازة لا تمنع القتل ولهما ان امتناع الجواز كان لحق الورثة لأنهم يتأذون بوضع الوصية في القاتل أكثر مما يتأذى البعض بايثار البعض بالوصية ثم جازت الوصية للبعض بإجازة الباقين فههنا أولى والدليل على أن المانع هو حق الورثة ان الورثة ينتفعون ببطلان الوصية للقاتل وحق الانسان ما ينتفع به فإذا جازوا فقد زال المانع فجازت ولهذا جازت الوصية لبعض الورثة بإجازة الباقين كذا هذا ولو كان القتل قصاصا لا يمنع صحة الوصية لأنه ليس بقتل حرام وكذا لو كان القاتل صبيا لان قتله لا يوصف بالحرمة ولهذا لم يتعلق بشئ من ذلك حرمان الميراث فكذا حرمان الوصية وكذا القتل تسبيبا لا يمنع جواز الوصية كما لا يمنع حرمان الميراث على ما عرف في كتاب الفرائض وأما الاقرار للقاتل بالدين فان صار صاحب فراش لم يجز وإن كان يذهب ويجئ جاز لان اقرار المريض مرض الموت في معنى الوصية ألا ترى انه لا يصح لوارثه كما لا تصح وصيته له وإذا كان يذهب ويجئ كان في حكم الصحيح فيحوز كما لو أقر لوارثه في هذه الحالة وكذا الهبة في المرض في معنى الوصية فلا تصح للقاتل وعفو المريض عن القاتل في دم العمد جائز لقوله تعالى وان تعفو أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم مطلقا من غير فصل بين حال المرض والصحة ولان المانع من نفاذ تصرف المريض هو تعلق حق الورثة أو الغرماء وإنما يتعلق حقهم بالمال والقصاص ليس بمال وبهذا علل في الأصل وإن كان القتل خطأ يجوز العفو من الثلث لان القتل الخطأ يوجب المال فكان عفوه بمنزلة الوصية بالمال وانها جائزة من الثلث ودلت هذه المسألة على أن الدية كلها تجب على العاقلة ولا يجب على القاتل شئ لأنه لو وجب لم يصح عفوه من الثلث في حصة القاتل لأنه يكون وصية للقاتل في ذلك القدر ولا وصية للقاتل ولما جاز العفو ههنا من الثلث علم أن الدية لا تجب على القاتل وإنما تجب على عاقلة القاتل حتى تكون وصية لعاقلة القاتل ثم الوصية للقاتل إنما لا تجوز إذا لم تجز الورثة فان أجاز وأجازت ولم يذكر في الأصل اختلافا وذكر في الزيادات قول أبى يوسف انها لا تجوز وان أجازت الورثة وسكت عن قول أبي حنيفة ومحمد رحمهم الله تعالى وجه قول أبى يوسف ان المانع من الجواز هو القتل وانه لا ينعدم بالإجازة ولهذا حرم الميراث اجازته الورثة أولا ولأنه لما قتله بغير حق صار كالحربي والوصية للحربي لا تجوز أجازت الورثة أم لم تجز كذا القاتل وجه ظاهر الرواية ان عدم الجواز لمكان حق الورثة لما ذكرنا في الوصية لبعض الورثة فيجوز عند اجازتهم كما جازت لبعض الورثة عند إجازة الباقين